آخر الأخبار
ِ"الحب" في مجتمعاتنا المحافظة - الجمعة, 18 تشرين2/نوفمبر 2016 09:03
هل حب علي حسنة لا تضر معها سيئة؟ - الثلاثاء, 20 أيلول/سبتمبر 2016 06:01
بين المادة وما وراء المادة - الجمعة, 22 تموز/يوليو 2016 12:30
عالم الدين ليس معجزة! - الثلاثاء, 08 آذار/مارس 2016 13:08

كيف نوقظ أرواحنا عن غفلة الله ونحن مقبلين على ليالي القدر العظيمة ؟

 

إن ظاهرة التغافل عن حقيقة الله وتجاهل معرفة وجوده لبعض فئات المجتمع، لعلل هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة انتشرت وبشكل كبير نظراً لظروف وإرهاصات الحياة، فالبعض يتخذها موضة والبعض يختار لها مسميات وعناوين أخرى من أجل تحقيق السبل المراد تحقيقها، فإن هذه الفئة يعتبرهم القرآن من الغافلين انطلاقاً من الآية الكريمة(اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مّعْرِضُونَ) فاليقظة في هذا الشهر الكريم وخصوصا ليالي القدر تعد  من أعظم الهدايات والبركات والتوفيقات الإلهية، سنسلط الضوء على كيفية استيقاظ الروح من الغفلة.

 

اللهو عن ذكر الله؟

 

(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وهم في غفلة مّعْرِضُونَ...) إن الحساب يقترب من الإنسان و يواجهه في كل لحظةٍ  تقترب به من الموت، لأن الموت يعني الانتقال من دار العمل، التي هي الدنيا، إلى دار الحساب التي هي الآخرة، فيما عبر عنه الإمام علي(ع) في كلمته المأثورة:((اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل) نهج البلاغة لأمير المؤمنين،وقد جرى القرآن على إثارة النتائج السلبية أمام الإنسان في مجال التعبير عن التغافل عن الموت كما في قوله تعالى: (وَأَنِيبُواْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ* وَاتَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ)[الزمر:54 ـ 55]، حيث عبّر القرآن عن توعدهم بالعذاب الشديد من الملاحظ أن العذاب يستتبع الموت للخاطئين المسرفين على أنفسهم الذين لم يتوبوا إلى الله وهم غافلون.

 

مفهوم الغفلة:الانخراط في الحياة الدنيا،والتغافل عن الله سبحانه وتعالىونسيان أمور الآخرة جزئياً أو كلياً.

 

يقظة الروح من سبات الغفلة:

 

1-عدم ترك الطاعات والعبادات،فكلما كان الإنسان مبتعداً عن الدين منساقاً مع ملهيات هذا الزمن أصبح غافلاً عن الله.

 

2-عدم الجهر بالمعصية والتفاخربالإثم والعياذ بالله: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون)النور:19

 

3-عدم إضاعة الوقت في العمل الغير صالح.

 

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)﴾سورة المؤمنون

 

 

 

أثار المجاهرة بالذنبوالتغافل عن الله سبحانه وتعالى:

 

1 يعجل النقم للعاصي فمن مسبباته. أ.الحوادث المروعة ب- الفقر المادي ج الأمراض المستعصية والخطيرة.روي عن أمير المؤمنين  : (إياك والمجاهرة بالفجور فإنها من أشد المآتم)[أيضا  (مجاهرة الله بالمعاصي تعجل النقم)ميزان الحكمة - ج ٢ - الصفحة٩٨٨

 

2-الموت المفاجئ:روي عن رسول الله (ص)( إِذَا كَثُرَ الزِّنَى بَعْدِي كَثُرَ مَوْتُ الْفَجْأَةِ ، وَ إِذَا طُفِّفَ الْمِكْيَالُ أَخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ وَالنَّقْصِ ، وَإِذَا مَنَعُوا الزَّكَاةَ مَنَعَتِ الْأَرْضُ بَرَكَاتِهَا مِنَ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ وَالْمَعَادِنِ)تحف العقول

 

3- سلب التوفيق في الدنيا، والخسارة في الآخرة، فكلها مؤشرات للإنسان لليقظة وأخذ العبرة.

 

فما أثم المجاهرة بالغفلة عن الله؟

 

1- عدم العافية : (كلّ أمّتي معافى إلا المجاهرين)كنز العمال: حديث۱۰۳۳۸

 

2-الخذلان: قال الرضا ع ( المذيع بالسيئة مخذول والمستتر بالسيئة مغفور)لكافي - الشيخ الكليني - ج ٢ - ص٤٢٨

 

3- عدم النجاة :- قال الأمام الحسين (ع) (إني لأرجو النجاة  لمن عرف حقنا من هذه الأمة إلا لأحد ثلاثة صحاب سلطان جائر وصاحب هوى، والفاسد المعلن)

 

مسببات الغفلة عن الله؟

1-  عباد الله اهتمامكم الأكبر بحب الدنيا، وتغافلكم عن الآخرة،فيجعل قلوبكم محطة للغفلة عن الله،فكونوا على يقظة.

 

2- عباد الله إياكم والانزلاق في حفر المعاصي فإنها تسير أرواحكم في أنفاق مظلمة، فيظلم نوركم في الدنيا والآخرة، ويجعل أرواحكم تغرق بأوساخ الغفلة عن الله،أبعدنا الله وأياكم عن هذه المطبات المظلمة.

 

3-عباد الله لا تغفلوا عن الموت، وتذكروا بأن الموت والآخرة في كل الأوقات فسوف يجعل قلوبكم مطمئنة بالله حتى لاتعدوا من الغافلين عنه. قال الله تعالى (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين).سورة القصص 83

 

4- إياك والغرور بمظاهر الدنيا الدنية والتكبر على الله، انتبه (إنه الله جلّ جلاله) فمن يخالف الله نهايته الخسران في الدنيا والآخرة.قال الله تعالى (يا أيها الناس إنَّ وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور)سورة فاطر5

 

5- إياك و طول الأمل:قال الله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾سورة الحج 3

 

نتائج الغفلة:.

 

1- الخسران الروحي والقلبي في الدنيا والآخرةقال أمير المؤمنين (لا وزر أعظم من التبجح بالفجور)عيون الحكم والمواعظ - ص٥٤٠

 

2- الذل والعار والفضيحة أمام نظر الله ونظر المجتمع،روي عن أمير المؤمنين (من تلذذ بمعاصي الله أورثه الله ذلًا)ميزان الحكمة ج2 ص 994

 

3- عدم التوفيق في الدنيا، والعذاب الأليم يوم القيامة.، ونهاينه دحول نار جهنم ،فيأني يوم القيامة آيسا من رحمنة الله

 

﴿قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم﴾سورة الجمعة آية رقم8

 

العوامل القاسية للغفلة:

 

1- قساوة القلب هي أحد عناصر الغفلة.روي عن أمير المؤمنين ع ( إياك والغفلة فيها تكون قساوة للقلب). بحار الأنوار75ص164

 

2-موت الروح وظلامة القلب إذا مات القلب،فالروح ستتجه في نفق مظلم روي عن أمير المؤمنين (من غلبت عليه الغفلة مات قلبه).

 

3-فساد الأعمال: روي عن أمير المؤمنين(الغفلة والاغترار بالمهلة فإن الغفلة تفسد الأعمالوالآجال تقطع الآمال)عيون الحكم والمواعظ

 

4-الغفلة عن القرب الإلهي:إذا غفل العبد عن الله سبحانه وتعالى، حتماً سلبت منه مرتبة القرب من الله ولقائه، لأن الوصول إلى هذه المرتبة ونيل المقام السامي من أعظم الرتب العرفانية، ولكن عندما يتخلف العبد عندرجة القرب إلى الله سبحانه وتعالى،فحتماً يخسر التوفيق الإلهي: روي عن أمير المؤمنين في مناجات الشعبانية.(إلهي إن أنامتني الغفلة عن الاستعداد للقائك، فقد نبهتني المعرفة بكرم ِ الآئكَ)).المناجاتالشعبانية

 

5-الهلاك:الغفلة تؤدي إلى الهلاك ورد في الخبر ((من طالت غفلته تعجلت هلكته))غرر الحكم

 

6-عمى البصيرة: الغفلة تؤدي إلى العمى في البصيرةروي عن مولانا أمير المؤمنين علي (ع) قال (الفكرة تورث نورا ،والغفلة ظلمة).

 

 الوقاية من الغفلة؟

 

1-كسب العبر من الماضي:يعني كلما نظر الإنسان في قبور أحبته وأهله وذويه والمؤمنين والمؤمنات،وحمل الجنائز، والنظر إلى كفنه ووصيته، فإنه سوف لا يغفل عن درجة القرب إلى الله .

 

2- على الإنسان الاهتمام بالتفكر والتدبر في ما خلقه الله عز وجل حتى يعيش حالة القرب من الله. روي عن أمير المؤمنين (ع) في خطابه لأبي ذر الغفاري(يا أباذر أهم الحسنة وإن لم تعلمها لكي لا تكتب من الغافلين)بحار الأنوارأيضاً(تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة)المصدر : عيون أخبار الرضا..

 

4-علينا أن نكون يقظين بالله في كل الأحوال وعدم الانصياع والانجرار مع موبقات وموضات الدنيا الفانية.

 

5- المداومة على الذكر المستمر في كل الأوقات اليومية تنجيك عن الغفلة وتبعدك عن الشيطان.

 

6- المداومة على مجالس الذكر بكل أنواعه يجعل قلبك دائماً متعلقاً بالله.

 

7-المداومة المستمرة على قراءة كتاب الله المجيد،والأذكار والأدعية المأثورة يجعل قلبك متعلقاً بالله.

 

8-  المداومة على فعل الخير سواء كان تبرعاً مادياًأوجسدياً أوفكرياً.

 

9-المحافظة على وقت الصلوات الخمس والاهتمام بالجمعة والجماعة فإنها سوف تكون في نظر الله.

 

10-كن مع الله ليلاً ونهاراً بعمل الصالحات الروحية يجعل قلبك متعلقاً بالله.

 

11- الإكثار من مجالس الذكر والاستفادة القصوى من العبر والمواعظ حتى تكون بالقرب من نظر الله.

 

12- الاستفادة من العمر في العمل الصالح.روي عن أمير المؤمنين (كفى بالرجل غفلة أن يضيع عمره في ما لا ينجيه) شرح غرر الحكم ج4 ص585.

 

14- صرف الأموال في مكانها الصحيح،وعدم صرفها في محرمات الشيطان، كيلا يجعل قلبك محطة للغفلة.

 

علاج الغفلة عن الله:

 

1- عباد الله (ذكر الموت يميت الشهوات في النفس ويقلع منابت الغفلة) ،فجعلوا الموت محطة نظركم بحارالأنوار 6

 

2– عباد الله المداومة والإكثار من العبادة في جوف الليل والتضرع إلى الله تعالى يجعلكم بالقرب من الله دائما.

 

عباد الله تذكروا أنمغفرة الله واسعة وباب التوبة مفتوح.(وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)سورة آل عمران 33

 

فلا تفرطوا في فيوضات هذا الشهر الكريم ، فنسأل الله أن ينبهنا وإياكم من نومة الغافلين وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة على أشرف الخلق أبي القاسم محمد وآل الطاهرين. يهدى هذا العمل لمولانا صاحب العصر والزمان وآبائه الطاهرين  وللشهداء وحماة الدين وأولياء الصالحين ، ومن لهم حق علينا ، ونسأل الله القبول.

 

 

الجمعة, 02 كانون1/ديسمبر 2016 10:51

ما هو هذا الدين؟ وماذا يريد منا؟

كتب:

الدين هو مجموعة من العقائد والتشريعات التي تنظم حياة البشر في علاقتهم مع أنفسهم وأرواحهم من جانب، ومع الآخرين من جانب، ومع البيئة والطبيعة والكون من جانب آخر.. اذن هو منهج شمولي هدفه تنظيم حياة البشر.

والواضح للمتأمل أن للنص الديني «روح»، وللتشريع الديني أهداف عليا.. فحينما نجتر الحكم من فحواه.. ونستقطع التشريع والفعل والمظهر من هدفه الذي هو روحه وأساسه فحينها سوف نصل لنتائج مغلوطة، وسنعيش بالتبع انفصاما بين آقوالنا و افعالنا لاننا لم نعيش المعنى وحينها لن نصل للهدف والنتاج المطلوب.. وحينها كذلك سيتحول الدين الى شعار رقرار فضفاض ومظاهر خاوية خالية من أهدافها.. و سنغرق ونحن متشبثين  في «ظاهر النص وظاهر الفعل» وسنمثله وندافع عنه باعتباره شعار ومظهر فقط وفقط حتى لو ادى ذلك لفقدان الهدف منه..

 والقرآن الكريم في جل آياته يركز على هذا الجانب.. جانب الهدفية في كل تشريع وفعل ومظهر.. الا ان ثقافتنا الدينية ليست قرآنية بل أنانية حزبية مقيتة.. خذ مثلا القرآن حين يشرع الزكاة ماذا يقول؟ «كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ»..أو الصلاة «تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ».. او الصوم « لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» الخ..

ومشكلتنا هنا اننا نركز على ظاهر الفعل ونترك الجوهر والهدف الذي لا يعد الفعل والتشريع الا طريقا له.. 

وهكذا الدين والأخلاق.. فالنبي الأعظم يقول «انما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» لكننا ننمسخ من اخلاقنا من اجل الدافع عن مانراه انه «من الدين» وهذا تناقض راجع للأصل الذي ذكرته..فلاحظ كيف يؤسس المعصوم لهذه القيمة ويجعلها مرتكز حين يقول: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".."انما الدين الأخلاق".. «وهل الدين الا الحب»..

ولو حاولنا ان نجد اعلى القيم الدينية فسنجدها ٣ -بينها تداخل دقيق عجيب متقن- وهي التي جاءت كل التشريعات من أجلها:

١-العقل: «لقوم يعقلون»..«يتفكرون»..«اولي الالباب»

٢-الأخلاق:«لعلكم تتقون»..«ايحب احدكم ان ياكل لحم اخيه ميتا فكرهتموه»..«وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا»..قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.. الخ.. او قول المعصوم "صل من قطعك،وأعط من منعك،واعف عمن ظلمك"

 

٣-التكامل: «وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا».. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ».. وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ»..يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ.. وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.. وكذا قول النبي الأعظم "مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى".

الجمعة, 18 تشرين2/نوفمبر 2016 09:03

ِ"الحب" في مجتمعاتنا المحافظة

كتب:

يربى الطفل ويكبر وهو يسمع كلمة"الحب حرام"، وقد تعاد عليه هذه الكلمة ين الفترة والاخرى،يكبر فيجد الحب فطرة من صميم فطرته بل ولا طعم للحياة بدونه، ويلاحظ نفسه ميالة للحب، فيتيه بين ما يجد نفسه قد تربى عليه من قيم، وبين واقعه الطبيعي الذي خلقه الله وفطره عليه، فيضطرب ويصبح ثقيلا على لسانة البوح بكلمة "أحبك" حتى لأمه وإخوته، ثم يصل لمرحلة المراهقة وقد نمت لديه العاطفة وصارت في أوجها،،
هو لا يزال في الحيرة التي وضعت له كقانون في تربيته،، وبين تغيراته الحياتيه،،

ينظر للقطات تلفزيونيه تقولب له "الحب" في قالب،يؤطره اعلان دعائي ومسلسل يتحدث عن"الحب"،تتكون لديه معاني مغلوطة عن "الحب"الذي لم يعرف عنه الا كلمة صغيره هامشية جدا من اب او ام، فيذهب شيئا فشيئا الى مالقّن به في المسلسل التلفزيوني ليعبر عما كبت في داخلة،يمارس "وهم الحب"مع فتاة يبوح لها عما "كبت" في داخله فيقع في مشاكل وتجاوزات وأزمات نفسيه عاطفية اجتماعية عائلية لا حصر لها.

وهنا بعد أن حاولنا أن نحلل الواقع بشيء من الدقة.. الا نصل لنتيجة مفادها أننا نحتاج اليوم وعاجلا ونحن نسمع ونرى كل هذه التجارب التي تغص بها مجتمعاتنا الى تغيير تعاطينا مع مفردة "الحب" التي هي الدين كله كما جاء في الرواية "وهل الدين الا الحب"، والتي خلق الكون من اجلها "فأحببت ان اعرف" كما جاء في الحديث القدسي،،الا نحتاج ان نربي ابناءنا اليوم على قيم الحب الحقيقيه،ان نطلعهم على الفرق بين الحب الحقيقي والمزيف، بين الحب  وبين الشهوة التي تنتهي بانتهاء المثير، ان نناقشهم في مفاهيم الحب ونظرياته، ان نخاطبهم بخطاب الحب وبلسان المحب،، وحينها لن يبقى مجال لأن يدخل عليهم احد بمدخل غرائزي بما يسمى حبا وليس سوى شهوة جنس ومنام ولذة، وحينها كذلك سيكون لديهم وقاية ذاتية قوية عاصمة في التفرقة بين الحب الحقيقي ووهم الحب، وحينها لن نخاف عليهم لا من ذهابهم الى الجامعة والمدرسة والحديقه.. ولا من طريق عودتهم منها.

 

كيف نبعد أنفسنا عن المال الحرام واستخدامه استخداما أمثل عبر بوابة عاشوراء؟

عظم الله أجورنا وأجوركم أيها الأحبة باستشهاد شمعة الدين ونبراس الأمة أبي عبدالله الحسين (ع) روحي لمقدمه الفداء، السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين  الدي بذلوا مهجهم من دون الحسين (ع)  انطلاقاً من قوله تعالى:بسم الله الرحمن الرحيم :{يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}(168) سورة البقرة.إن ظاهرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حاجة ماسة وضرورية لاستقامة المجتمع ، وهي من الواجبات الشرعية التي أمرنا الله تحقيقها، فهي من أرقى المقامات التي يرتقي بها  المؤمن والمؤمنة إلى الله سبحانه وتعالى، فلا يقتصر التوجيه على خطيب حسيني ، أوعالم دين بل هي مسؤولية الجميع، ومن هذا المنطلق  خرج من أجله أمامنا ومقتدانا أبو الأحرار نبراس الدين الإمام  الحسين (ع) روحي لمقدمه الفداء، فكان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الركيزة الأولى في مقولته الشهيرة لأخيه محمد ابن الحنفية (إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا ظالما ولا مفسدا وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن أمر بالمعروف وأنهي عن المنكر) ومن هذه الأسطر نسلط الضوء على البعد عن المال الحرام أحبتي المؤمنون والمؤمنات أبعدنا الله وإياكم عن منكرات هذا الزمن ومحرماته.

المحور الأول:

1- تعريف المال المحرم : إن الحلال  ما أحله الله والحرام ما حرمه الله ورسوله وأهل بيته ، والأكل بالباطل أما أن يكون بطريقة الغصب ، أوالنهب ، أو بالرشوة أو اللهو كالقمار، أو الربا، أو في الخيانة قال رسول الله (ص) (إن الله حرم الجنة جسدا غذي بحرام). كنز العمال

2- أسباب المال الحرام:

 أ-عدم الخوف والحياء من الله:  قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}آل عمران: 175هناك فئات من البشر،قد تلوثت قلوبهم ببقع الشيطان من معاصي ومحرمات، فلا يبالي من مراقبة عين الله عليه، ولو خاف العبد من ربه لاستحى منه ووضع لله له حاجزا منيعا يحميه من شياطين الجن والأنس، ولكن للأسف يوجد كثير من البشر ومن يدعون إنهم يوالون الرسول وأهل بيته (ع) ، ولكن للأسف هم عكس ذلك ، فلا يلتفت ويتعظ حتى لو نزلت عليه مصائب الدنيا ، ولكن نحن مقبلين على ثورة عظيمة وهي واقعة كربلاء، فلنغير عبر هذه البوابة وهي بوابة الحسين (ع)  قال الإمام الصادق (ع): (من ذَكَرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه دمع مثل جناح بعوضة غفر الله ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر)تفسير القمي ص616 

ب- المكسب السريع: قوله تعالى: {وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا } الإسراء 11

توجد فئات من المجتمع يجمعون المال  بطرق غير شرعية، مثل الغش في البيع، الربا،الرشوة وغيرها ، ومثال: بعض الأشخاص يعملون في قطاع حكومي أو خاص ، فيقوم الموظف بالاتفاق مع جهة البيع برفع مبلغ الرصيد كي يستفيد منه،  فإن هذا المكسب حرام وخطر على النفس والروح ، ولو علم الموظف لما له من  أضرار لما فعل ذلك، أسبابه كثيرة فمنها: هموم وذل وأمراض وفضائح وقلة دين، ويجلب غضب الله تبارك وتعالى.

3- الطمع وعدم القناعة: قال الباقر عليه السلام: «من قنع بما رزقه اللّه فهو من أغنى الناس»الوافي ج 3 ص 79 عن الكافي.

 الطمع صفة أخلاقية مذمومة، ومرض سلوكي خطير يفسد القلب ويحرف بوصلته للمسار السيئ  نواتجه: 1- ضعف الأخلاق2 التكبر3 الغرور  4  تكثر لديه شهوات الدنيا وملذاتها المحرمة.

4- المأكل الحرام والذي نهانا الشرع الإسلامي عنه: فنلاحظ في فئات من الناس المتقون يعلنون بحرمة شيء معين صحيحا منقول من مصادر موثوقة ، وينقل لبعض  أفراد المجتمع  الغير ملتزمين والمهتمين بذلك ، فيثر غضبهم وكرهم ويسخرون لمن بين حرمة الشيئ الذي يرعبونه هذه الفئات ،  فيقال عنم معقدين و غيرها من صفات ، فيقوم بعض الأشخاص من هذه الفئات تحديا وعنادا بأكل ما يخالف قول عالم دين أو الحاكم الشرعي ، فهذا النوع يسمى عنه جاهل وغير متوجه وغير مهتم بأمور دينه ، بل على العكس من المفروض يقال لمن أرشدك للصواب رحم الله والديك وجزاك الله خيرا، لوعلمت كم من مواد محرمة، ومالها من أثر و مرض وبلاء على الروح والجسد ،لشكرت الله وشكرت من أرشدك لذلك، ونتاجه النطفة الحرام  وغيرها، فقد نهىانا الإسلام  بحرمتها ،  أيها الأحبة المؤمنون والمؤمنات الحذر الحذر.

أضرار الكسب الحرام:   

1- ظلمة القلب وكسل الجوارح عن الطاعة2- غضب الجبار ودخول النار  3- عدم قبول الدعاء4-  عدم قبول العمل الصالح5- يقصر العمر6- قساوة القلب 7- يطفئ نور الإيمان8- كثرة موت المفاجئ9- الفقر وضعف الرزق10- كثرة المشاكل والحوادث الحياتية والجسدية والنفسية من الأمراض والمهالك11- عدم مرافقة العلماء والمتقون والأولياء الصالحون بل يأنسون برفاق السوء سواء كانوا من الرجال أوالنساء  قال رسول الله (ص) (الأرواح جنود مجندة ما تعارف منه ائتلف ، وما تناكر منها اختلف ) فمن بوابة عاشوراء، فلتكن  فرصة التغيير سهلة فلا تضيعوا هذه الفرصة، فإن البكاء على الحسين (ع) يحط الذنوب حطا قال الله تعالى( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)سورة الزمر 53

آثار المال الحرام:

1- يسلب البركة  من الرزق: فعن أمير المؤمنين(ع) :«إنّ الرجل إذا أصاب مالاً من حرام لن يقبل منه حج ولا عمرة ولا صلة رحم حتى أنه يفسد الفرج» وسائل الشيعة 12: 61

2- يمنع قبول العبادات: روي عن رسول الله (ص) ( إذا وقعت لقمة حرام في جوف العبد لعنه الله كل ملك في السموات والأرض)) بحار الأنوار

المحور الثاني : الرزق الحرام:

"لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع" وذكر منها "عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه"

1- الغياب المتكرر في العمل بداعي السقم ، نرى بعض فئات من الناس عودوا أنفسهم على التهاون  والاستهتار في العمل ، وإذا خوطب الشخص من باب التوعية الدينية ، فيكون رده الوزارة أو الشركة مديونة إلينا ، هذا كلام غير منطقي بل هو عقد قانوني متفق بين شريكين، فهذا المال الحاصل عليه بداعي الغياب تدخل فيه الحرمة والإشكال الشرعي، إلا غياب خارج عن إرادة الشخص نفسه كيف ؟بعض الأحيان تصب الإنسان المؤمن حالات محرجة لابد من الغياب ، ولكن المال توجد فيه حرمة شرعية ، وعلى المؤمن الرجوع إلى الحاكم الشرعي ، بعد حصوله الراتب يقتص اليوم الذي تغيب فيه وتسليمه للحاكم الشرعي بنية الصدقة قال رسول الله (ص)(إن الصدقة لتطفئ غضب الرب).

2- تقديم المبررات والأعذار الكاذبة في الوظيفة الرسمية ، أيها الأحبة، فينبغي علينا إبداءالكلام الصادق سواء كانت الأعذار طبية أو إجازات أخرى المتمثلة في وفاة لغير الأهل والأقارب، أو من أجل السفر، أو الحضور في مجالس ذكر الحسين.

3- الحصول على الحوافز والمكافآت السنوية من إدارات الوزارات أوالشركات لأشخاص ليسوا مؤهلين لذلك ، فإن حصولها بداعي العلاقات الشخصية والمجاملات من قبل  الموظف مع رئيسه ، على حساب أشخاص آخرين  يمتلكون إبداع وعمل جميل، فإنها تدخل فيها الشكوك في حرمتها الشرعية لكلا الطرفين، ولكن بعض الأشخاص يقول المدير عطاني  الحافز أو المكافأة الفلانية ! أيها المؤمن الموالي شخّص نفسك قبل الحصول لأنك محاسب أمام الله وخصوص إنك تعلم ذلك؟ أجلس مع من هم أهل الثقة في ذلك و‘عرض فإذا زكوك ، فهم يتحملونها أمام الله،  حتى لا تكون ظلمت نفسك وظلمت غيرك قال الله تعالى ( يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إلا من أتى الله بقلب سليم)سورة الشعراء (88)

 4- التأخير في الدوام الرسمي والتطوعي بدون أخد العذر المسبق ، وتقديم الحقيقة في التأخير، ولا داعي للكذب، بل إبداء الكلام الصادق سواء كانت كتابياً أو شفهيا ، فإن الدقائق والساعة والنصف تدخل فيها الأشكال الشرعي والحرمة في الأجر، فلابد من الرجوع للحاكم الشرعي عند حصولك الراتب الشهري، فعلينا الالتفاتة أيها المؤمنون والمؤمنات.

المحور الثالث : ماهي المحرمات الشرعية التي أمرنا الله تعالي بتجنبها وصرف أموالنا فيها.

1-  السفر والسياحة بقصد التمتع بملذات الدنيا وهي كالأتي:  

أ. صرف الأموال الطائلة بقصد السفر من أجل التمتع بشهوة الفرج ،و ممارسة الجنس للجنسين:

قال الله تعالى:" وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً " (الإسراء) 32

 *روي عن الصادق (الزنا ست خصال ، ثلاث منها الدنيا وثلاث منها في الآخرة ، فأما التي في الدنيا فيذهب بالبهاء ويعجل بالفناء ، ويقطع الرزق، وأما في الآخرة فسوء الحساب،وسخط الرحمن،والخلود في النار)الخصال/ش الصدوق/ص106

ب- صرف الأموال الطائلة من أجل المسكرات والقمار وغيرها قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90].

ج- عدم دفع الخمس أو الزكاة للبالع: نرى بعض من أفراد المجتمع لديهم مبالغ طائلة، ويتكاسل ويجهل هذا الركن الشرعي، بل لا يرعب في دفع ذلك، ولوعلم العبد لما لها من توفيق وتوسع في الرزق ، لما جهل وتهاون بدفعها.   

المحور الرابع :الرسالة التربوية لأولياء الأمور الذين يتمنون أن يرتقي أبناؤهم إلى الله فعليهم أتباع مايلي:

1- على الآباء والأمهات تعويد أبنائهم وتقديم لهم المبالغ النقدية ،وأن يقدمها الأولاد شخصيا نيابة عن الآباء بشأن التبرعات للجهات المعنية المتمثلة في مأتم الحسين و بناء المساجد والصدقات الأخرى أي كانت حجمها، حتى تزرع لديه روح هذه العادة الروحية الحسنة ، وتنمو مفاهيمه العقلية على مرور السنوات وتصبح عادة مستمرة، حتى لا ينحرف مساره مع العصاة والمذنبين .

2- على الآباء متابعة أبنائهم بالمواظبة والاستمرارية وعدم التغيب من دور العباد ومراكز التعليم الدينية، حتى يتعلموا من دروس أهل البيت ع ، وتخصيص له رحلة مجانية مدفوعة من قبل الآباء وذلك من باب التحفيز. مثال إذا واظبت يا أبني واستفدت وأعطي عنك تقريرا ممتازا سأقدم لك زيارة مجانية لمراقد أهل البيت، أوعمرة ، أو حجة إسلام ،فهكذا تبنى شخصية الأبناء منذ نعومة أظافرهم ، حتى يتحصنوا بالأيمان القوي، فعلينا أيها الأحبة المبادرة بالتربية الصالحة من الآن.   

 3- على الآباء تربية أبنائهم وتعويدهم، و تخصيص مبلغ مادي وتسليمه للأبناء بعنوان عمل وجبة للأصدقاء على حب الحسين ع وأهل بيته ، ومصحوبة بالمحاضرة التربوية  الهادف والنعي الحسيني، حتى تصبح عادة لديهم، ويتعودوا على فعل هذه الأعمال الحسنة في المستقبل. 

4- اصطحاب الآباء لأبنائهم، وتدريبهم بدفع الخمس السنوي  للحاكم الشرعي نيابة عن الآباء، حتى يتعودوا على فعل هذه الأعمال الحسنة في المستقبل.

أيها الأحبة المؤمنين والمؤمنات، فإن وضع الأموال في أماكنها الصحيحة من أعظم الرقي والمبادئ التي يرتقي بها العبد إلى ربه ، فهي من السمات التي تسرح النفس بها في الدنيا ، ويأجر بها العبد في الآخرة، فمن هنا نختم محاورنا ،والتي تستمدها من ثورة الحسين (ع) لنعلم أجيالنا أروع المثل والمبادئ العظيمة ، والتي نهض من  أجلها  الأمام الحسين (ع )، فتضحية  الحسين من أجل تنفيذ هذا الركن الشرعي التي أمرنا الله به ، وأوصى به نبينا الأكرم محمد (ص) للإمام الحسين (ع) ،والذي قال فيه يا ولدي (إن لك عند الله درجة لن تنالها الا بالشهادة)، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب شرعي علينا إن نحققه ففيه فوزا عظيما في الدنيا ونتاجه في الأخرة. قال الله تعالى﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ آل عمران: 104

 يهدى هذا العمل  نيابة عن صاحب العصر والزمان الإمام الحجة روحي لمقدمه الفداء وإلى روح وضريح محمد المصطفى وعلي المرتضى وفاطمة الزهراء والحسن والحسين الشهيد بكربلاء والتسعة المعصومين وإلى الشهداء الصالحين والفقهاء والعلماء العاملين وإلى خدمة الحسين، وأجدادي ، وجداتي ، وأحبتي ،ومن له حق علينا ، ونسأل الله القبول ببركة الصلاة على محمد وآل محمد.

الثلاثاء, 20 أيلول/سبتمبر 2016 06:01

هل حب علي حسنة لا تضر معها سيئة؟

كتب:

 جاء في الرواية «حب علي بن أبي طالب حسنة لا تضر معها سيئة، وبغضه سيئة لا تنفع معها حسنة»، فما هو المقصود منها وفي أي مكانة صحيحة يمكن أن نضعها؟

لا يختلف إثنان على أن حب علي  وولايته واتِّباعه والعمل بما يقول هو الحب الحقيقي الذي ينتج إنسانا كامل جامعا لمعنى الإقتداء و المحبة ولوازمها.

وهذا ما أكدت عليه الرواية الشريفة للإمام الصادق حين قال في تفسير الرواية السابقة «من عرف الإمام من آل محمد وتولاه ثم عمل لنفسه ماشاء من عمل الخير قُبِل منه ذلك».

وهنا نرى بحرقة وألم بأننا اليوم صرنا نفسِّر هذه الرواية بعكس ماجاءت به ، فمحورناها حول المذهبية والإنغلاق، بل وأصبحت بفضل بعض رجال الدين هدانا الله وإياهم وكثير من الخطباء القاصرين اللادقيقين معطلَّة الناس عن إتباع القيم والمبادئ والأخلاق العلوية ، فصار علي شعار يعلق عليه المصطلحات الرنانة ويلبس عباءة العاطفة والإنفعال والمجادلات اللامنطقية والمذهبية المقيتة، وصار الواحد منا يظن بأن إسم مذهبه يكفيه من العمل ويحمل عنه أوزاره يوم القيامة، وأصبح متيقن بدخول الجنة دون حساب ولا كتاب حتى لو عمل ماعمل.

وهنا أستطيع أن اقول بكل صدق لمن يريد ان يعي:

 

أجرم علينا بعض الأحبة من رجال الدين حين أفهمونا بأن كلمة «حب علي حسنه لا تضر معها سيئة» تعني النجاة فقط بالعاطفة.. وأجرموا مرة أخرى حين ربونا على أن التشيع معناه الإعتقاد بظاهر الإمامة فقط وفقط، فصرنا نباهي الآخرين بذلك ونرى لنفسنا الفضل عليهم فقط باللفظ دون الإلتزام بحقائقه ومترتباته من عمل وإقتداء.

 

ولا أود أن أفهم بأني متحامل على آبائي وقدواتي من رجال الدين الأفاضل ولكن مايمنع أن نقف لنقيم ونقوم؟ أنا أقول لعل أحدهم كان قد جاء بهذا التفسير قبل مئات السنين من غير قصد.. بتجربته الضيقة وفهمه البسيط.. لكن أن يستمر هذا المعنى سارٍ فينا وفي منابرنا وذواتنا فهذا مالايمكن أن يقبله عاقل، فأن نستمر حتى هذا اليوم بنفس هذا التلقين فهو إجرام بحق وهو جنون جر وسيجر علينا الويلات.. نحتاج عاجلا أن ننتقل من التربية القشرية على الشعار الفضفاض والإعتقاد المهزوز الى العمق في الفهم والإيمان الرصين الرزين الذي ينتج عملا.

 

وأنا أتكلم بهذا الألم والحرقة ليس تحاملا ولا بغضا لأحد لكن حين تركنا هذا الواقع صار فينا ماصار ولم تقم في واقعنا الإجتماعي  لا نظرية مالية ولا سياسية ولا إقتصادية بل ولا حتى فكرية رصينة رزينة ثابتة، لماذا؟ لأننا  اهملنا معارف القرآن واخلاقه ومعارفه ونظرته الكونية والنفسية التهذيبية من أجل شعار ومذهبية وشخوص، ووضعناهم وكأنهم عائق وسد يحول بيننا وبين منهج القرآن الكامل ومبادئه وأخلاقياته وصرنا نصنع لأنفسنا طرق سطحية وشعارات فضفاضة لا تغني ولا تسمن من جوع.

أيها الأحبة حب علي حسنة لا تضر معها سيئة.. لأن محبته تعني فهم قيمه ومبادئه والمسير بها نحو الأمان..بل نحو الكمال.. وهذا هو طريق الحق الذي لا يمكن للسيئة أن تدخله.. لذلك لن تضرنا سيئة بحبنا لعلي وإتباعنا لعلي ويقيننا بنهج علي.. هذا الكلام تدعمه العديد من الآيات والروايات الواضحات التي لا تحتاج الى كثير من الجدال والقيل والقال.. جاء أحدهم للمعصوم ع فقال له ها نحن شيعتك ومحبيك..فقال والله لستم بشيعة..وبدأ يتلو عليه مواصفات الشيعي ليطرده صاغرا من التشيع..

 وهذا الإمام الكاظم يقول «لو ميزت شيعتي لم أجدهم إلا واصفة ولو إمتحنتهم لما وجدتهم إلا مرتدين، و لو تمحصتهم لما خلص من الألف واحد،و لو غربلتهم غربلة لم يبق منهم إلا ماكان لي انهم طالما اتكوا علـى الأرائك، فقالوا : نحن شيعة علي. إنما شيعة علي من صدق قوله فعله».

 

وهذا القرآن بوضوح تام لا لبس فيه يقول لنا «لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ  أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا  وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون ».. ويقول«الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ».. ثم يقول «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ».

 

 

فعلينا أيها الأحبة أن لا تأخذنا العاطفة الى المهالك، وأن لا تغيب عنا أنوار البصائر والحقائق،أن نتبصر في أنفسنا ونقيمها ونقومها في كل حركة وكل لحظة حتى لا ياتي يوم نلقى فيه بالنار لجهلنا وقصورنا عن التامل فنصبح في آية: « وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ».

الجمعة, 22 تموز/يوليو 2016 12:30

بين المادة وما وراء المادة

كتب:

كنت أقرأ قبل قليل حول مجموعة من "العلماء" تنكروا لحقيقة "الروح" فجاؤوا بجسد وحصروه في قفص "زجاجي" سميك جدا.. يريدون بذلك أن يجدوا ماهية الروح وهل حقا هي موجودة ام لا؟

طبعا خرجت الروح رغم كل ذلك.. فماذا فعلوا؟

لم يجدوا تحليلا منطقيا -بتجاربهم الحسية - لهذه الحقيقة..فاستمروا بإنكار وجود الروح.

نعم أيها الأحبة هذه القصة والتجربة القصيرة تختصر كثير من إختلافنا المنهجي الواقع بيننا "نحن المؤمنون والدينيون" وبين اللاديني و"المادي" بإختلاف مسماه..

متى نصل الى نتيجة متعارضة متضاربة؟

غالبا ليس في الأمور الحسية..أو المنكرة بدليل علمي..وإنما في الأمور التي يقف فيها جانب "المادة"جامدا لا يجد تفسيرا ولا يستطيع الوصول لحقيقة ثابتة من خلال أدواته!

وهنا يحصل التضارب بين المنهجين.. المؤمن يدعوا لـ"التسليم" من خلال المنهج الأساس ومن خلال أدوات غير المادة كـ "الحس- الفكر- القرآن-كلام المعصوم الثابت" وكل ذلك مبني على أدوات وأسس منطقية لا يسع المجال هنا لذكرها.

والمادي يسارع لإنكارها دون بينة ولا دليل وإنما فقط بحقيقة أن المادة والحواس الخمس لم تثبته ولم تره .

والمصادفة أن هذه الحقائق المختلف فيها وعليها هي ليست من النوع الثانوي اللامؤثر في حياة البشر ،وإنما هي من الجوهريات والأعمدة والحقائق الرئيسة في الحياة كـ"وجود الله-الروح- الآخرة- الخ".

والدين يقول لنا بأن الجهل نوعان جهل بالمعلومة والمصطلح، وجهل عملي مع معرفة بالمصطلح.

لذلك قالوا العقل ماعبد به الرحمن واكتسب به الجنان.

العقل ليس ما أراه وأحلله بأدوات الحس.. إنما العقل "التسليم" بكل حقيقة وبكل إحساس عميق متجذر في النفس والفكر والذات.

حين أقف مع ذاتي الداخلية أجدها في موقف الصعوبة والألم تلتجئ ذاتيا الى قوة مطلقة تتناغم معها وتتصل بها دون تكلف.. أعرف يقينا دون تزلزل وجود اله لهذا الكون.

حينما أجد تناغما بين كل صغيرة وكبيرة في هذا الكون ..بين الأفلاك والمجرات .. وبين الورود والوانها .. وبين نفسي وصوت المطر وبين الطير وبيئته وبين الأرض والسماء أعرف بأن كل هذه العظمة وكل هذا الجمال وكل هذا التناغهم حتما هو من فعل مبدع.

حين أتفكر في أعظم الحقائق في ذاتي فأجدني عاجزا عن الإمساك بها وإحتوائها بعقلي رغم إحساسي العميق بها أعلم يقينا أن هنالك "ماوراء الطبيعة" فأؤمن به دون تردد ولا توقف ولا تزلزل.

هذه الحقائق كلها ذاتية تنبع من الذات، ومهما حاولت المصطلحات شرحها واستيفائها فلن تستطيع.. لو جلسنا لوحدنا بعيدا عن ضجيج الحياة والسياسة والعقول والتضارب والشد والجذب ، وبعيدا عن تأثيرات العوارض الواقعة ، وبعيدا عن أسر الهوى والشهوة والحاجة الطارئة اللحظية .. فسنجدها "حتما" ثابتة في أعماق ذواتنا في قلوبنا وفطرتنا.

وهذا هو أحد ما نستدل به نحن المسلمون على وجود الله ، أي أن الإنسان الذي يعبد "المادة" سيكون في حالة من الإضطراب واللاثبات في نفسيته وعمقه الداخلي، إذ أنه من جانب يعبد ويؤمن "بما يراه" ومن جانب آخر هو عبد مخلوق وله رب فعلي حقيقي خلقه ووضع له موازين وتكوينات وقام بـ"برمجته" وبرمجة دنياه على قوانين سماوية بعضها غيبي فلا بد وأن يتأثر بها شاء أم أبى ، لذلك يعيش في حالة من التضارب بين ما يريده "الهيه" عقله الذي عبده ،و الحق المطلق "الله" الذي تنكر له وقال بعدم وجوده.

لذلك وبعد كل ذلك فإنّ نظر الإنسان الى ذاته وجوهره يعيده "دون شك" الى الحق ، ويعرّفه على الأصول العملية للحياة ومن بينها الإيمان بما وراء المادة من خلال "إحساسه وفكره ونفسه الداخلية" لذلك قيل "تفكر ساعة خير من عبادة 60 سنة" ولذلك قال القرآن " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد".

بسم الله الرحمن الرحيم - انطلاقاَ من قول الله تعالى  ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.سورة الحديد آية 10 أحبتي المؤمنين والمؤمنات نبارك لكم حلول شهر الله الفضيل ،ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم لصيامه وقيامه  وتلاوة كتابه ، ومن خلال هذه الآية الكريمة نستلهم محاورنا الثلاثة حول الأمراض المستشرية في قلوب ضعاف الإيمان، ولكن هل منا ما يمتلك معلومات ثقافية حول ظاهرة الذنوب العَرَض الظاهرية مثل الغيبة والنميمة والكذب والسرقة، ولكن نحتاج لثقافة تنقذنا من ذنوب الأمراض الباطنية القلبية، فلابد من استئصال المرض بدلا من علاج العَرَض، فيجب علينا أن نركز على الذنوب الباطنية، فنحن للأسف الشديد نعيش في مجتمع  يركز على اجتثاث الذنوب الظاهرية أكثر من الذنوب القلبية الباطنية ، فهذه ذنوب جسيمة ولكنها ظاهرية، ولكن هناك ذنوب باطنية قد تكون مخفية وهي أشد وأقوى فتكا وتدميرا للروح ولطهارة القلب مثل الحسد، الحقد ، سوء الظن، أيها الأحبة سنسلط الضوء على ظاهرة الذنوب الباطنية.        ( المحور الأول :سوء الظن )

تعريفه :هو سلوك الاعتقاد بالسوء على الآخرين، كالذي يتخيّل و يظن سوءاً بأقوال الآخرين و أفعالهم و يرى خياله حقيقة و يرتب أثراً عليه. قال الله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾سورة آل عمران رقم الآية 19.فإن سوء الظن هو أمراض وذنوب باطنية تلوث الضمير وتظلم القلب وتجعل الإنسان قطعة من الدنس ومن الوسخ ، لو تدبر نفسه لكره قلبه.

أقسام سوء الظن :

1- عدم سوء الظن بالله: علينا أن لا نظن السوء بالله، فالظن بالله هو حالة اليأس من الرحمة الإلهية الواسعة، وهو من الذنوب الكبيرة - والعياذ بالله- أبعدنا الله وإياكم عن هذه الذنوب التي تردي بصاحبها إلى الكفر﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَسورة يوسف أية رقم 87

 2-عدم سوء الظن بالناس، روي عن أمير المؤمنين(ع):﴿سوء الظنّ بالمحسن شرّ الإثم و أقبح الظلم.عيون الحكم والمواعظ ص284

أسباب سوء الظن:

2-ضعف الإيمان والسريرة، وعدم التوجه لله، روي عن الإمام علي (ع): ﴿لا دين لمسيء الظنميزان الحكمة رشهري

4- مجالسة الرفاق من الأشرار، روي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: ﴿مجالسة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيارسفينة البحار

الآثار السلبية لسوء الظن:

1- سلب الهدوء والاستقرار النفسي . روي عن أمير المؤمنين ﴿ حسن الظن يخفف الهم.عيون الحكم والمواعظ، ص228

2- تمزيق العلاقات: روي عن أمير المؤمنين ﴿ سوء الظن يفسد الأمور ويبعث على الشرورعيون الحكم والمواعظ

مثال على ذلك عندما نرى زوج وزوجته لهم أولاد بين عشية وضحاها نسمع أن هذه الأسرة تفككت ،فنبحث عن السبب ،ونرى أن السبب سوء ظن الزوج عندما يشك في زوجته ويسيء الظن بها فتصبح الأسرة معرضة للانهيار.قال النبي (ص)﴿إياكم والظن فإن الظن أكذب الكذاب بحار الأنوار

أضراره سوء الظن:1- كثرة التفكير وعدم راحة البال والاستقرار 2- العزلة و الابتعاد عن الناس وينتج عنه قسوة القلب التي تؤدي إلى الظن من هنا يسهل على الشيطان اختراق قلب هذا الشخص، وتصبح فيه نكتُ سوداء . روي عن أمير المؤمنين علي (ع): ﴿سوء الظّنّ يردي مصاحبه و يُنجي مجانبتهجامع السعادات            

الأثار الاجتماعية لسوء الظن:

1- يعدم ثقة الشخص بأقرانه وبالمجتمع،فتصبح الثقة معدومة تماما روي عن أمير المؤمنين (ع):(الرجل السوء لا يظن بأحد خيرا، لأنه لا يراه إلا بوصف نفسه)ميزان الحكمة

2- فساد الأعمال و تشجيع الآخرين على الشرّ:روي عن أمير المؤمنين (ع):﴿سوء الظنّ يُفسد الأمور و يبعث على الشرورعيون الحكم المواعظ

3- تدهور العلاقات الأخوية بين الأصدقاء،عن أمير المؤمنين (ع):﴿من غلب عليه سوء الظّنّ لم يترك بينه و بين خليلٍ صلحاً عيون الحكم المواعظ

علاج سوء الظن:

إصلاح النفس من الداخل؟ إن الأشخاص الذين يظنون ظن سوء مسبقا عليهم البدء بتصحيح أنفسهم وأوضاعهم وترك هذه العادة الذميمة والمنحطة أخلاقيا ونفسيا،و تعويد النفس من الآن على الصفات الحسنة كيف يكون هذا؟ 1- من حيث رد المظالم لمن أسأت َبهم، والاعتذار والتسامح والمغفرة  وبراءة الذمة 2- فتح صفحة جديدة وترك ما سبق3- أن يحمل أخوانه على محمل الخير .

  ( المحور الثاني :افة الحسد )

قال الله تعالى ﴿ومن شر حاسدا إذا حسدسورة الفلق   الحسد:هو تمني زوال النعمة من أخيك وانتقالها لك،فالحذر كل الحذر من الوقوع في مطبات الحسد لأنه من مصائد الشيطان للأسف الشديد؛ فنرى إن ضعاف الإيمان من فئات المجتمع يعيش هذه الظاهرة المقيتة، فحسد الآخرين يمتثل في التفوق في الدراسة في النجاحات في المجتمع في الارتقاء في العمل ،وإن هذا المرض المستشري في أصحاب النفوس الضعيفة المتمثلة في فئات من المجتمع الذي لا يملكون وظائف راقية وشهادات عالية وغيرها من محصلات وكذلك أصحاب الوظائف الراقية حيث الطبيب والممرض والمعلم يحسد زميله في تفوقه في حصوله على حافز ما أو في درجة ما في منصب وهذه الظاهرة منتشرة عند بعض من الناس فلماذا نحسد؟ ونحن ندعي بأننا مؤمنون ومؤمنات، وتوجد هذه الحالات حتى عند الأخوان و الأصدقاء وربات البيوت فمثلا ( حسد شخص لآخر في سفره لبعض البلاد) لو لاحظنا نجاح العالم والخطيب و الرادود  وتفوق في الخدمة التي يؤديها لله بعد إن  كسب محبة الناس، فينظرون له  نظرة حسد، فلماذا؟ لأنهم لا يملكون هذا الوسام الشرفي في الخدمة التي تقدم، ولأنهم خاضوا التجربة، ولم يوفقوا!  أيها الحاسد والحاسدة أعلم بأن الله أحب هذا العبد ورزقه توفيقا فإذا أحبه الله أحبه عباده، فهذه الظاهرة منتشرة في مجتمعاتنا والعياذ بالله فبئس العادة الوسخة، فيجب علينا أن نصحح أوضعنا قبل فوات الأوان،  ولو لا حظنا إن الزاهدين والمتقين لا يمتثلون لهذه الأمراض الخبيثة، علينا أن نقتدي بهم أيها الأحبة ونحن في فيوضات هذا الشهر الكريم قال الله تعالى ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌوَلا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍالشعراء:88ـ89 هذه قسائم رب العالمين علينا القبول برضا الله  وعطاياه.                                                      أسباب الحسد

1- خبث النفس 2-ضعف السريرة وقلة الإيمان  3 العداء والكراهية ينتج الحسد 4- الأنانية5- التنافس في المصالح والغايات المشتركة6 شعور المرء بالنقص أمام الآخرين: مثال التاجر يحسد التاجر على بضاعته ومحبة الناس إليه وشراء البضاعة المعينة من عنده وكذلك نلاحظها حتى في الأعمال الخيرية والمرتبطة بالاستئثار بمنصب الرئيس ونائب الرئيس، ومن لا يتناسب في فكرهم ، ويصل أمر الحسد إلى كره وحقد و ويصل حتى إلى الضرب في بعض الحالات،افهم أيها الحبيب إن هذه المواقف نتاجها إذا كان دخول هذه الشخصية من باب وجاهه سيكون عمله رياء حتما مؤكدا وغير مقبول عند الله ولكن إذا كان على العكس سيكون محبوب عندالله

كيف أستطيع معالجة الحسد؟

1- عدم النظر إلى من هو أعلى منا، والنظر دائما إلى من هو أقل منا، فكلما اقتنعت بقسمة الله ورضاه أتاك الخير من حيث لا تشعر.

2- التخطيط  والاستشعار بعناية الله ورقابته، وكلما فكرت في الصفات الذميمة التي  ذكرت أخذك الشيطان لهذا الاتجاه فعليك المبادرة بما يكره الشيطان من حيث وضع خطة لمحاسبة النفس في المنزلقات الروحية والنفسية وهي كالآتي:  

الخطة لمحاسبة النفس:

أ- تعويد النفس على  الاستعادة من الشيطان عند التفكر في هذه الأفعال السيّئة، فعود نفسك دائما بالأذكار والتسبيح بذكر 1000مرة (أستغفر الله وأتوب إليه) ، وقل أيضاً 1000مرة(لا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم إياك نعبد وإياك نستعين) الخ (كعقاب للنفس).

ب - عندما تفكر إن تحسد أو تحقد أو تسيء الظن بمؤمن أو مؤمنة عليك تلاوة جزء أو جزئين على الأقل لمحاسبة النفس ورغمها بهذا العقاب، وتدعو للمحسود بزيادة النعمة التي حسدته عليها وأن يرزقك الله مثله.

ج- عند ما تفكر أن تحسد أو تحقد أو تسيء الظن  عليك بالتصدّق بمبلغ  10دنانير عن هذا المؤمن قال رسول الله (ص) (الصدقة تطفي غضب الرب). وسائل الشيعة

د- إشراك النفس في الأعمال الإلهية والتطوعية كالمشاركة في تعاليم الناشئة في الأعمال الإلهية والتربوية وخدمة مأتم الحسين (ع) أو جمعية خيرية ،فمن هذا المنطلق سيزول هذا المرض المستشري في النفس من حقد وحسد وسوء الظن، أحبتي المؤمنين والمؤمنات علينا إن نربي أنفسنا، ومن ثم نربي أولادنا وبناتنا. قال رسول الله (ص) ( رحم الله والدين حمل ولدهما على طاعة الله ولعن الله والدين حمل ولدهما على معصية الله).كتاب الوافي 181/26

د- تعويد النفس بالأعمال المستحبة عند إقامة أي عمل من الأعمال الروحية ، وأن يدعو لمن أساء لهم من أخوانه المؤمنين، وطلب المغفرة لهم.

 (المحور الثالث: الحقد)

الحقد لغة:الحقد إمساك العداوة في القلب والتربص لفرصتها. اصطلاحا: هو سوء الظن في القلب على الخلائق لأجل العداوة.

أسباب الحقد:

1-الممارات(المعايا) والمنافسة الشديدة:وهي من أشد الأسباب لإثارة نار الحقد والتشفي بين الحاقد والمحقود عليه فيصل إلى المنافسة الشديدة والغليظة فيبدأ التقاطع وينتج عنه السب والشتم واللعن وحتى القتل ،فعلينا إن نصحح أوضاعنا قبل ونحن في شهر الله

2- كثرة المزاح والاستهزاء والسخرية بالآخرين بداعي المزح فقد يكون الطرف الأخر غير قابل بهذا الفعل الفاحش فمن هنا تكمن  خطورة الحقد في القلوب والكره قال الأمام أمير المؤمنين علي ع(إياكم و المزاح فإنه يجرالسخيمة ويورث الضغينة وهو السبب الأصغر) الكافي ج2 ص664، وكثير من الأشخاص ضعاف الشخصية يبرز شخصيته وبطولته ونجاحه بالسخرية والتطفيش حتى يكون ذا قوة وخصوصا إذا حصل له من يضحك ويأنس بمواقفه.

علاج الحقد:  

 استفادة من هذه الآية نجد إن علاج الحقد﴿أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَسورة يونس اية 57

1- الاستماع لتلاوة القرآن وكذلك الأدعية المأثورة لقراء مميزين حتى تسعد النفس، ويبدأ القلب بحالة الخشوع، ويرتبط التوجه وتظهر الدمعة الصادقة قال أمير المؤمنين علي (ع): (ما جفت الدموع إلا لقسوة القلوب)بحار الأنوار

 2- تعويذ النفس على إقامة الأعمال الصالحة المتمثلة في تلاوة القرآن والأدعية المأثورة والصدقات والأعمال الروحية.

 3- مصاحبة المتقين للتعلم والاستفادة منهم، وخصوصا مجالس العلماء قال رسول الله (ص) (مجالس العلماء عبادة).سفيتة البحار

 

قال رسول الله (ص) (يطلع الله تبارك وتعالى على خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر الله لهم كلهم إلا لمشرك أو مشاحن ) مصباح المتهجد ص841 ليلة النصف، أحبتي المؤمنين والمؤمناتتكون أعمالنا معلقة لا ترفع الأعمال إلى الله إلا عندما  تتصافى قلوب العباد ، من منتصف شعبان إلى أخر يوم رمضان تكون معلقة حتى تتصافى النفوس، أيها الأحبة علينا أن نصفي نفوسنا وسرائرنا من خلال بوابة شهرالله الفضيل ، حتى تعتق رقابنا يوم القيامة من النار فنسأل الله بنيات صادقة وقلوب طاهرة و أن يعود علينا فيوضات هذا الشهر الفضيل في حال أحسن من هذا الحال ،و يهدى هذا العمل إلى صاحب العصر والزمان الإمام الحجة وإلى محمد المصطفى وعلي المرتضى وفاطمة الزهراء والحسن والحسين والتسعة المعصومين من درية الحسين ،أحبتي، و المؤمنين والمؤمنات ،ونسأل الله القبول ببركة الصلاة على محمد وال محمد.

     الحمد لله اعترافًا بالنعمة وطلبًا للزلفى الحمد لله الذي لا ينقطع عطاؤه ، ولا يتضعضع ركنه ، الحمد لله واسع الحول الذي لا يضيق صاحب المنّة التي لا تنفد ولا تنقطع ، حمدًا يحقق السؤل والرضى ويوفر التوفيق والهدى ، والصلاة والسلام على عبده المصطفى الذي أنار للعالمين طريق الهدى محمد وعلى آله الطيبين الأطهار الأمناء على وحيه المبين ، وعلى صحبه الأخيار المتقين.

    لقد خلق الله الإنسان وأعطاه حرية القرار لنفسه إما أن يُسعدها بالخير أو يُشقيها بالشرِّ ، والخير هو في ما ينفعه وينفع به مجتمعه في الدنيا ويُرضي به ربَّه في يوم آخرته ، والشرُّ هو ما يؤذيه ويضرُّه في حياته ويُغضب به ربَّه في يوم آخرته ، هكذا شأن الإنسان إما نفعًا وإما ضُرًّا )وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ("البلد آية - 0 1" إما أن يتّجه نحو سبيل الخير وهو الشكر لله وإما نحو سبيل الشرِّ وهو الكفر بالله.

    الإنسان بالعمل الصالح والمسلك الصحيح في الحياة يكون مؤهلًا للقرب من الله ، فالإسلام حين حثَّ الإنسانَ على فعل الخير إنما ليضعه في المرتبة التي تقويه وتأخذ بيده نحو الهداية وكمال الإيمان وتبعده عن نزعات الهوى ورغبات الشيطان ، الإنسان أمام هذا القرار أمام طريقين إمّا طريق الهدى والخير ، وإمّا طريق الضلال والشرِّ أي إمّا مؤمنًا شاكرًا وإمّا جاحدًا كفورًا )إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُوراً( " الإنسان آية 3" .

    هكذا يكون الإنسان إمّا أن يتحلى بالذوق الجمالي المتفوق الذي يرفع من قدره وقيمته ويلبي بميوله الجمالي حاجيات الناس وقضاء مآربهم ، وإمّا أن يكون متحليًا بالذوق المتعالي والكبر الذي يؤدي إلى الغرور والترفع على الناس ، هكذا يكون الإنسان إما أن يكون متصفًا بقيم الكرم والجود ، وإما أن يكون متصفًا بقيم البخل والشحِّ ، لقول الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم) "الناس رجلان بَرَّ تقي كريم على الله عزّ وجلّ وفاجر شقيٌّ هيِّن على الله عزّ وجلّ".

    هكذا بنى الإسلام نظامه وأسَّس بنيانه ، فلن تجد فيه نظاما أصلح مما رسمه وحدّده باني ومؤسس قواعده وهو الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن بعده أهل بيته الطاهرون وصحبه الأبرار ومن اتبعهم من بعدهم المؤمنون الصالحون الأخيار الذين غرسوا شجرة الحبّ والارتباط بين الناس واقتلعوا شجرة الكراهية والانفصال ، بهذه الخُلق بنى الإسلام نظامه ففجَّر الخير ونمَّى الإحسان بين الناس الذي تشعُّ منه روح الرحمة ونداوة الطبع وقوة الاحساس القادر على تقديم العطاء رغبة للارتقاء بالحياة الإنسانية إلى أرحب وأوسع الأفق واسماها بدلًا عن غرس جذور الحقد والعداء المبني على أساس التقسيم.

    فالإنسان في هذا الوجود خلقه الله بين جسم وروح وجعل حياته ما بين بينين ما بين متعة الادراك واليقين الممزوج بالإيمان ، ومتعة العطاء في الله والرفد المعنوي لقوله تعالى: )مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون( " النحل آية - 97"  فبالعمل الصالح وتقديم العطاء تُبنى الحياة الإنسانية سعيدة مرفّهة ومنعّمة.

    وللناس بإزاء هذا الشأن مواقف مختلفة منهم من يقدم العطاء بنية التقرّب إلى الله ومنهم من يقدمه لغاية شخصيّة ، ولكن من يقتدي آثار أهل البيت (عليهم السلام) ويستضيء بأنوارهم ويجعل قيمة عطائه هو منهاج النجاة والهداية يكون في مقام التقدير والإجلال ، قيل:جاء شخص معروف بالإحسان الى الناس فرحًا مسرورًا الى الإمام الجواد (عليه السلام) فقال لـه الإمام ، أراك مسروراً؟ قال الرجل: يا ابن رسول الله ،  سمعت أباك الرضا (عليه السلام) يقول: إنَّ يوم الفرح والسرور هو اليوم الذي تقضي فيه حاجات إخوانك واليوم راجعني أصحاب حاجات مختلفة فقضيت حاجاتهم بإذن الله ، لذلك أنا مسرور ، فقال له الإمام الجواد (ع): بنفسي جدير بك أن تفرح بشرط أن لا تضيع أعمالك ولا تبطلها ثم تلى قوله تعالى:)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى("البقرة آية - 264".

    العطاء في الله له الأثر العظيم الذي يفجِّر الطاقات ويفتح الآفاق لبناء التنمية الاجتماعية ، ويكون الإنسان بعطائه محترمًا ومُوقُّرًا بين أفراد مجتمعه ، العطاء في الله له لذّة خاصَّة في النّفس ، العطاء في الله حركة روحانية خالصة تتملك الوجدان الإنساني ، فحين يستقرّ العطاء الصادق مع الله لا بدَّ وأن يستقرَّ المردود النفعي على النفس فتتولد هناك حالة من البهجة المسرَّة والارتياح ، لأنَّ الانغماس في فعل الخير والبذل الخالص في الله من آثاره أنَّه يقي النفس همومها ويُسهّل درب حياتها.

    من متعة العطاء على النفس فتح الباب الإلهي وإبقائه مطروقًا ، ومع حلول الشهر الكريم (شهر رمضان المبارك) شهر التوبة والمغفرة والبركة ، شهر يمثل التغيير الكبير في حياة الفرد والمجتمع فعلى المرء وهو يعيش لذة هذا الشهر العظيم وإدراك حقيقة العطاء والبذل فيه ، لا بد من استيعاب توفير فُرص التقرب الى الله  فيه أكثر ، وقبول الأعمال وارتفاعها الى الله سبحانه أكثر مما في غيره من الشهور ، عليه وهو يعيش لذة هذا الشهر العظيم أن لا تحجبه أهواء النّفس الأمّارة بالسوء ورغباتها المتغيّرة عن التفكر في سبيل نجاته بتتبّع الشهوات ، حيث أن شهر رمضان هو سلًم التعالي على الشهوات والنزوات ، وهو شهر التقوى والسبيل المؤدي إلى التوبة والخلاص من موبقات النفس)وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(  " الحشر آية - 18".

    على المرء أن ينظر ويتدبّر في كل عمل ينفعه ليوم آخرته ويعمل من أجله ، فلا يقتصر هذا الفهم في العطاء المالي فحسب ، وإنما يتعدى إلى ما هو أقوى وأشدّ وهو قوة التجانس والارتباط الإنساني السّامي ، والذي نحن اليوم مطالبون بتعزيزه ، وجعل متعة العطاء في سبيل الله دافعًا وسبيلًا للتسامح للإخاء والمحبّة والرحمة ، سبيلًا لالتقاط الأنفاس بروح من قيم النور والمحبة والاحترام ، النابع من مصدر العقل الواعي والضمير اليقظ الملازم للتشريع الإلهي ، بعيدًا عن الابتذال والاستهانة واظهار القوة ، نعم علينا أن نتأمل مسيرة أمتنا بفهم واسع وشامل لإدخال الخير على الآخرين وبقيم العفو والتسامح والرحمة من خلال بركة هذا الشهر الكريم ، لأن الروح المتعطشة للعطاء والبذل لا بدّ وأن تكون سلائقها حسنة ونافعة ، لتكون بهذه السليقة مصانة ومحتجزة عن الوقوع في أيِّ عملٍ يُغضب الله بسببه.

    العطاء في الله بكل معني العطاء هو نورٌ للقلب وارتياحٌ للنفس )فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا( " الكهف آية - 110" العطاء بجميع مناحيه هو سمة الإنسان المؤمن ، فمن يُعطي ويقدّم ويعفو ويسامح لا بدَّ وأن يُجازى بالجزاء الأوفى ويكون من أهل الآخرة.

    واستكمالًا للنظرة المتقدمة التي أوجب الإسلام من خلالها وأبدى الاهتمام الخاص بها فأيّ مال يُنفق برًا ومعروفًا يبقى ذُخرًا لنفس الإنسان ورصيدًا ليوم آخرته ، وببعدٍ أعمق جاء الإسلام ليعزز مكانة هذه القيمة لتكون مدرسةٌ لتقوية الإيمان وتهذيب الخُلُق ، ولتعطي الدرس المستوعب لأجل الارتباط البشري ووجوده ووثوق مبتغى ارتباطه بالعلاقة الإلهية ، وبقدر عمل الإنسان الصالح يكون العطاء فيه أجزل ، فما أجمل أن يتصف الإنسان بأفضل القيم وبحبّ الخير للآخرين ، لأن العطاء الصادق لله لا يحدّه حدٌّ ولا يقيّده شرط ، فأجود الناس ما جادت به نفسه ، فأعطِ لمن تحبّ ولمن لا تحبّ مستعينًا بالله ، فستجد الخير يتدفّق من حولك ، وهذا من كرم الله عليك ، هكذا يكون أجر أهل العطاء الذين لا يعرفون البخل ولا الشحّ ، الذين إذا أعطت أنفسهم أحسوا بالارتياح ونالوا أضعاف ما منحوا، العطاء في الله هو مدخل الأمل والإحساس في النفس ، وهو من يصنع الحبّ والرحمة والمودة بين الناس.

 

    نسأل الله أن يبقى هذا النور مضيئًا دون انطماس وأن يجعلنا من خلاله من روّاد العطاء ومن أصحاب اليد الممدودة المسجلين في عداد المنفقين في الله ، من الذين يتمتعون بفيضه ومدده الذي لا ينتهي ولا يتقطّع  وأن نكون من المخصوصين بقوله تبارك وتعالى: )فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره( اللهم ونسألك الهدى والغنى ، والقُرب إليك بحسن العمل الصالح ، واجعل عطاءنا فيك تقربًا لرضاك وابتعادًا عن سخطك ، وأن ترزقنا في شهرك هذا الصيام والقيام ، وتجعلنا فيه من المرحومين ولا تجعلنا من المحرومين ، يا رب العالمين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الثلاثاء, 24 أيار/مايو 2016 17:06

الزهـدُ أسـاسُ التقـوى

كتب:

    الحمد لله الذي قنطت الأنظار عن التعمق في معمقات جبروته ، وعُقلت العقول عن التوغل في معرفة أسرار مواهبه ، الحمد لله الذي اختطف خواطف الأبصار عن التغلغل في حقيقة ألوهيته ، وانقطعت اللغات عن تحبير مقدسات أوصافه ، الحمد لله الذي يضاعف الحسنات ويغفر السيئات، والصلاة والسلام على رسوله الأكرم محمد الذي بيَّن للعباد أحكام الشريعة ودلّ على مناهج التقرب بنور الهدى وعلى آله الطاهرين أنوار الدجى وعلى صحبه القوَّامين بالزهد والتقوى.

    إنّ في الحياة وسائل تُعدُ من الأسباب التي ترفع من قدر الإنسان ، وينال بها الإنسان أعلى المراتب في الحياة والتي منها الزهد ، حيث أنه من كمال النفس ، وهو رتبة عزيزة ، فمتى ما ارتقى الإنسان إلى مرتبة الزهد فقد نال أسمى مراتب التواضع والتقوى ، وتحلى بأجمل المناقب التي تؤهله أن يكون في أعلى مصَّاف الأولياء ، فالزهد شعور نفسي وهو من أعلى مراتب الإيمان وأفضل درجات الإحسان.

    والزهد تعريفًا هو ليس الكفّ عن المحارم والتحرّج منها فحسب ، بل هو بالمعنى الأدق الكفّ عن كبرياء النفس إلى جانب نهيها عن شهوات الدنيا وملذاتها ، هو الكفّ عن الكثير من شهوات النفس ومغرياتها وكذلك الانقباض عن المشبوهات خشية الوقوع في الحرام ، الزهد هو ترك ما يريب النفس والابتعاد بها عن ما يعيبها ، والأخذ بالأوثق وحملها على الأشق ، الزهد هو شرط في محبّة الله ، كما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله: "إذا أردت أن يحبّك الله ازهد في الدنيا" وكما ورد عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) "أَزهَد النّاس من تَركَ الحَرام".

    ومن مصاديق الزهد الاستعانة بالأخلاق لقول مولانا الإمام علي (عليه السلام): "إن من أعون الأخلاق على الدين الزهد في الدنيا" وقوله (عليه السلام): "إن علامة الراغب في ثواب الآخرة زهده في عاجل زهرة الدنيا".

    الزهد هو تطهير النفس عن كلّ دنس علق بها ، كما يطهر الماء دنس الثوب من نجاسته ، وهو صون النفس وحفظها وحمايتها عمّا يشينها ويعيبها ويزري بها عند الله سبحانه وعند المؤمنين، فإنّ من كرمت عليه نفسه صانها وحماها وزكّاها وعلّاها، ومن هانت عليه نفسه وصغرت عنده ، ألقاها في محطات الرذائل.

    الزهد في الدنيا مقام شريف من مقامات العلماء والعارفين والسالكين لطريق الإيمان ، حيث أن الله تبارك وتعالى وصفه بأنه أشرف وأفضل أعمال الإنسان ، إلا من هانت عليه نفسه )مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ("الشورى آية - 20".

    الزهد هو ترك عموم المباحات التي ترغب فيها النفس وتتطلع إليها وتشتهيها ولا يبقى لها إلا ما أراده الله لها )مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون("النحل آية - 96" أي ما عند الإنسان من حطام الدنيا فهو زائل ولا يبقى له إلا ثواب عمله وفاءً من الله على ما تحمّله من مشّاق التكاليف وزهده في الدنيا )أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون("القصص آية 54" هكذا يؤتي الله أهل الزهد الذين لا يشغلون أنفسهم إلا بالإيمان والعبادة ، وهو من خير ما يقود العبد إلى الله ويُقرب إليه.

    وهناك صنف من البشر قد يجانبه ذلك فيرغبُ في متاع الدنيا الفانية ويتعلّق بها ولا يزال حتى يوقعه الشيطان في حبائله ومكره فيزيّن له عملَه ويُعظّم ذلك في نفسه فيُبتلى بداء العُجب و الرياء وهاتان الصفتان تمثلان في مضمونهما الزهو بالنفس واستعظام الأعمال والركون إليهما، فالعجب بالنفس والرياء في العمل من الآفات الخطيرة التي يُصاب بها الكثير من الناس ، فينصرفون بها عن الشكر لله والثناء عليه ، إلى شكر أنفسهم سواء كانوا أهلًا له أم هم في غير محله.

    وقد تطغى آفة العُجب بالإنسان حتى يصل به الأمر إلى درجة الكفر - والعياذ بالله -  والخروج من ملّة الإسلام ، كما هو حال إبليس اللعين الذي أعجب بنفسه وبأصل تكوينه وبعبادته ، حتى دفعه ذلك إلى الكبر والعصيان لله تبارك وتعالى وامتناعه عن أمر بالسجود لآدم (عليه السلام) )قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ("ص آية - 76" وبهذا العُجب كان معارضًا لأمر الله ، حتى أخرجه الله منها مرجومًا مدحورًا ، فالعُجب يحبط بصاحبه وبأعماله الصالحة ، ويخفي محاسنه، ويكسبه المذام ، كما أنه يطفئ من المحاسن ما انتشر، ويسلب من الفضائل ما اشتهر، ناهيك عن السيئات التي تحبط من الأعمال الصالحة وتهدم كل فضيلة يقوم بها العبد.

    ولتعميق هذا الفهم نورد هذه القصة التي تحمل التعبير التام للزهد والتقوى: قيل كان الشيخ عباس القمي رحمه الله ذا ورع شديد وإخلاص لله عزَّ وجلَّ، وقد تجلى ذلك في سيرته ومواقفه. منها: حيث أنه استجاب لطلب المؤمنين لإقامة صلاة الجماعة في مسجد "كوهرشاد" بمدينة مشهد المقدسة، وفي أحد الأيام وبعد إتمام صلاة الظهر قال لمن حوله لا أستطيع أن أصلي العصر وخرج وعطَّل الجماعة إلى آخر الشهر "وكان ذلك في شهر رمضان المبارك".

    فلما سُئَل عن السبب قال كنت في الركعة الرابعة فسمعت صوتًا ينادي من بعيد "يا الله ، إن الله مع الصابرين" يُريد أن أصبر حتى يتمكن من الدخول في صلاة الجماعة فدخلني السرور لكثرة المأمومين، فأدركت أني لست أهلًا لإمامة الجماعة، لأن من شروطها عدم العجب الذي هو أساس الرياء، وكان قدس سرّه الشريف يتميّز بتواضعه الخاص لأهل العلم ورواة الحديث ولا يفضّل نفسه على غيره.

    ففي أحد الأيام كان الشيخ على المنبر فدخل مجلسه الملا عباس تربتي وهو أحد العلماء الأبرار من مدينة تربت حيدرية القريبة من مدينة مشهد المقدسة، وجلس في إحدى الزوايا ولما التفت الشيخ إليه خاطب الحاضرين، أن الحاج الشيخ تربتي حاضرًا فاستفيدوا منه، ثم نزل من على المنبر وطلب منه أن يرتقي المنبر بدلاً عنه حتى آخر شهر رمضان المبارك.

    هكذا يصنع الزهد في من يدركه ويُجلّه ، فطوبى لمن زهِد وحصّن نفسه بالتقوى ، لأن الزهد خُلق عظيم ومرتبة رفيعة لا يناله إلا ذو حظٍّ عظيم ، فلا يزهد في الأمور إلاّ من زوّده الله بسلاح العقل والعلم والحكمة ، إذ لا يمكن أن يبلغ الإنسان حقيقة الزهد والتواضع من دون سابقة في علم وكمال في حكمة ، أي الإدراك بأن الشريعة الإسلامية مبناها ومبتغاها الأسمى تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلاّ من لم يوازن بين المصلحة والمفسدة فقد ابتعد عن هذا المفهوم الأخلاقي العظيم.

    ويكفي في الزهد الاقتداء بالرسول الأعظم (صلي الله عليه وآله وسلم) وبأهل بيته الطاهرين الكرام إذ هو من أجلّ وأتمّ هذا المضمون الذي يغرس في القلب القناعة والراحة النفسية ، فكلما افتقرت نفس الإنسان وطواها بالصبر عن الهوى أمتعها بالزهد وبالتقرب إلى الله مراقبة للعواقب ، إذ يقول الحق تبارك وتعالى: )قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ( "آل عمران آية - 31" هذه هي الحاكمية على المحبّة لله من خلال زهد الإنسان وتقربه إليه ، ومراقبته للعواقب ، يقول الإمام علي (عليه السلام) "من راقب العواقب سلم من النوائب".

    الزهد أمر عيني فإن قويت النفس عن الشبهة التحق بصفات الكمال ، وإن ضعفت وقعت في وحول الهوى وأسفل الحظوظ ، فهناك من يعيش الإدراك حاملًا للحسّ المعرفي الأخلاقي الرفيع ، وهناك من لا يدرك لهذه الحياة إلا ما تقيده رغباته النفسية ويعيش حالة ألاّ وعي وألاّ إدراك باحثًا عن سرور النفس وملذاتها ويتحرك وفق ما يحلو له )أَفَمَنزُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا("فاطر آية - 8" فالتزين بسوء العمل يوصل بالإنسان إلى الإعجاب ثم الوقوع بالنفس في المعصية بأسوأ الجزاء)قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً( نعم هكذا هي نتيجة التساهل والسير في طريق الهوى ومجانبة طريق الله ، تكون النتيجة أن لا يُثمّن لها وزن ولا يُقيم لها أي اعتبار.

 

    نسأل الله الذي تعالى عما يصفه الواصفون أن يُبلغنا الغاية التي يريدها منا بالخير والصلاح لجني ثمار الدنيا الطيبة وبذل ما نستطيع بذله ، لأن الغايات والأهداف السامية لا تُمنح من دون ثمن ولا تُدرك بغير جد ، اللهم اجعلنا مع أهل الزهد والتقوى ، وابعدنا عن أهل الشر والبداءة والفسوق ، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الصدّيقين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الثلاثاء, 08 آذار/مارس 2016 18:02

رحمــاءُ بينَهــم

كتب:

    الحمدُ لله الذي أحسن تدبير الكائنات ، خالق الأرضين والسماوات ، ومنزل من السماء الماء الفرات ، فأنبت به الحبَّ والنبات ، الحمدُ لله مقدِّر الأرزاق والأقوات ، والمعين على الأعمال بالطاعات وواهب الحياة لسائر المخلوقات الذي تسامى عن مشابهة المخلوقات وتعالى عن مجانسة الموصوفات وأفضل الصلاة والسلام على سيِّد النبيِّين وأفضل المرسلين ، ومن خُتمت برسالته الرسالات ، وظهرت ببعثته أزكى البركات محمد وعلى آله الطاهرين الأئمة الأطايب ، وأمناء الخلق على المطالب وعلى صحبه المنتجبين أهل الفخر وأشرف المراتب.

    إنَّ الإسلام نظام اجتماعيٌّ حيث يُراعي حقوق الناس ويُلبي حاجاتهم من جميع أوجه الحياة ، حتى أصبح أساسًا لتقويم وإصلاح مدارك الأمة في حياتها الاجتماعية ، لذا جُعلت الرحمة بين الناس كمالًا في السليقة المعيشية لتخفيف الآلام وتهدئة النفس كي تسير الأمة نحو الهداية والتنظيم ، لأن تبلّد الحسّ العاطفي والحسّ الخُلقي يهوي بها إلى منزلق الهبوط ويسلب منها أفضل القيم ، فلو نظرنا لهذا المفهوم لوجدنا أنَّ كلَّ إنسان في هذا الوجود له صفات ومزايا ، إلا أنها قد تقلُّ عند البعض وتكثر لدى البعض الآخر، ومن هذه الصفات الإحساس والشعور بالآخرين ، والتي هي نعمة عظيمة ومنَّة كريمة ، ومنحة ربانيّة ينعم الله عزَّ وجلَّ بها على من يشاء من عباده ، فالشعور باﻵخرين ليس مجرد إحساس وإنما هو فهم ورحمة وعطاء وحكمة ، كما قال رسول الرحمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)"وأن الله في عون العبد، ما دام العبد في عون أخيه"وفي حديث آخر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ، مثل الجسد ، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

    فالمسلمون ليسوا أمة في أنفسهم فحسب ، وإنما هم أمة في أوساط الأمم ، وهنا يتسع المدرك الاجتماعي من ناحية المدار الخاص إلى المدار الاجتماعي العام لقوله تعالى: )وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً(" البقرة آية - 143"فهذا التبليغ القرآني يُعطي الفهم أنَّ الأمَّة هي الأمَّة الخيِّرة في جميع مناهجها من ناحية السلوك والتصرف . من هذا التبليغ القرآني جاء الإسلام ليدعو إلى التقوى والصلاح وإلى التمسك بالإيمان الذي إذا تمكَّن في النَّفس ورُسخّت جذوره أثمر حالة من الطاقة الإيمانية الكامنة لدى الإنسان والتي وهبها الله إياها ، فينطلق نحو سبيل الخير وينصرف عن مكامن الشَّر ، ومن هذه الفضائل والنعم على الإنسان نعمة الرحمة والتي تُعتبر من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده الأساسية. 

    فالرحمة هي خُلق من أخلاق المسلم ، وهي صفاء النّفس وطهارة الروح ، والإنسان المسلمبمعاملته الحسنة مع الناس ، وابتعاده عن الشّر ، يكون دائمًا في نفس طيبة وروح طاهرة  ، والرحمة في أفقها الأعلى وامتدادها المطلق صفة من صفات الله تبارك وتعالى والتي شملت الوجود وعمّت الملكوت فأشرق من هذا الشعاع الرباني كلُّ شعاع الرحمة الغامرة )وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَوَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ("الاعراف آية - 156".

    وقد تجسَّد هذا البُعد الأخلاقي لدى الرجل الأول في هذه الأمة وهو رسولها الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أحسّ بمن حوله ، فرحم الصغير ، وقدّر الكبير، وأغاث الملهوف ، ونصر المظلوم ، وزار المريض ، وعزّى المصاب ، حتى تعدى هذا الإحساس عنده إلى غير المخلوق الإنساني فأمر بإطلاق سراح الطير ، والرفق بالحيوان حين عاتب صاحب البعير بالرفق به ، وقد جاء في  حديثه الشريف: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" وفي حديث آخر أنه قال: "من لا يرحم لا يُرحم".

    الرحمة هي الرقّة والعطف والمغفرة فعندما تجفُّ من داخل النّفس الإنسانية عاطفة الإحساس والشعور بالآخرين وتنعدم من القلوب مشاعر الرحمة وكلُّ فيوضات العطاء ، عندما تجفًّ من أغوارها روح العاطفة تصبح القلوب كالحجارة بل أشدُّ قسوة منها فلا تَرشح بأي عطاء ، ولكن عندما تلين القلوب يندفع من باطنها فيض العطاء ، ولا تُنزع الرحمة إلا من الإنسان البائس وهو ما ورد في الحديث النبوي الشريف "لا تنزع الرحمة إلا من شقي".

    الرحمة هي الرقَّة والعطف والمغفرة والإنسان المسلم الحق لا بدَّ وأن يكون رحيم القلب ، يغيث الملهوف ، ويصنع المعروف ، ويعاون المحتاجين ويؤازرهم ، ويعطف على الفقراء والمحرومين، ويمسح دموع اليتامى ويحسن إليهم ، ويدخل السرور عليهم، وفي قول للرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله سلم) "جعل الله الرحمة مائة جزءٍ ، فأمسك تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا ، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه".

    يقول العلامة السيد محمد حسين الطهراني: قال لي أحد أصدقائي من النجفيين: يقول: "ذهبت يومًا إلى دكان بائع الخضار فرأيت السيد علي القاضي يشتري خسّا، ولكنه على خلاف عادة الناس كان ينتقي الخسّ الذابل وذو الأوراق الخشنة ، فوزن البائع الخسّ ، ونقده السيد الثمن وحمل الخسّ تحت عباءته وذهب ، وكنت آنذاك طالبًا في أوائل شبابي والسيد القاضي رجل مسنٌّ.

    فلحقته وسألته عن علّة فعله هذا؟ فأجابني بأن هذا الكاسب رجل فقير وأنا أساعده أحيانًا، ولا أريد أن أعطيه شيئًا بلا مقابل لئلا يخجل ويذهب ماء وجهه العزيز ، وحتى لا يألف أن يأخذ مجانًا وبلا مقابل فتقلُّ همَّته للتكسب والعمل ، ونحن لا فرق عندنا بين أن نأكل الخسّ الجيد أو الرديء، وأنا أعلم أنه سيلقي هذا الخسّ في المزبلة بعد الظهر لأنه لا يقبل  أحد أن يشتريه منه".

    ومن أبرز مصاديق الرحمة وأبرز الأخلاق هي ما ورد من وصف في القرآن الكريم بحقّ الرسول (صلى الله عليه وآله سلم) )لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ("التوبة آية - 128" أي رسولًا حريصًا على إيمانكم وصلاح شأنكم يمتلك من الرحمة والرأفة ويشق على نفسه دونكم ما تلقون من المكروه ، والتي لولاها  لانصرف الناس من حوله ، قال الله سبحانه وتعالى: )فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ("آل عمران آية - 159".

    فعلى الإنسان المسلم أن يرحم نفسه ، بأن يحميها مما يضرّها في الدنيا والآخرة ،  بالابتعاد عن المعاصي ، والتقرب إلى الله بالطاعات ، خاصَّة من يحمل الإسلام دينًا ومنهاجًا أن يرطب قلبه بالرحمة قولًا وفعلًا بتلمس مشاعر الآخرين وقضاء احتياجهم وخاصَّة الفقراء منهم للتخفيف من معاناتهم ، والرفق باليتيم بالمسح على رأسه وكذلك عيادة المريض والجلوس عنده للتخفيف من آلامه، فما أروع الحياة إذا مُلئت بالعطف والرحمة بين الناس، ما أروع الحياة  إذا ترطبت بالبهجة والابتسامة لإعادة بريق الإحساس ولربط جسور التواصل.

    نعم عندما تُبنى هذه القاعدة البناء الديني الصحيح تُشعر الإنسان بالارتياح والراحة النفسية والجسدية سواء داخل مجتمعه أو خارجه مع المسلم وغير المسلم ، عندما تُبنى هذه القاعدة بناءًا دينيًا يحقُّ لنا أن نقول أننا طبقنا المفهوم الرسالي المحمدي بتلمّس وفهم حاجات الناس والتماس شعورهم وما يدور بدواخلهم ، عندها يحقُّ لنا أن نفتخرَ بأننا من أتباع صاحب هذا الدين العظيم ، ولكن عندما تقسوا القلوب ويجفُّ من أغوارها أثار الفيض والعطاء يصبح الإنسان وكأنما لا وجود له في هذا الوجود.

    عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: "إن الله تبارك وتعالى جعل الرحمة في قلوب رحماء خلقه، فاطلبوا الحوائج منهم، ولا تطلبوها من القاسية قلوبهم، فإن الله تبارك وتعالى أحلَّ غضبه بهم" فالمرء بقوة الوعي والإرادة يستطيع أن يبني جسور الألفة وأن تكون له البصمة الخاصة في كل عمل وحركة يتبناها ويقوم بها ، وهذا بالمعنى الأعم إذا أراد الخلاص من ربقة القسوة فعليه أن يعيش أعطاف الرحمة وصورها التي وضعها الله في قلبه ، يعيش العلاقات التي يسودها الرفق للمحافظة على تماسك بنيان المجتمع المسلم بصفاء الأجواء ، لقول الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) "ما كان الرفق في شيء إلا زانه ، ولا نُزع من شيء إلا شانه"  على المرء أن يعيش بما أفاض به الوجدان العاطفي وأقره العقل وسكب عليه القلب من صبغة الخلود.

 

    هكذا جاءت تعاليم الإسلام وسيرته المقدسة لتعلّم البشرية كلَّ الأفكار والمشاعر والحركات والسكنات ، نسأل الله العليّ العظيم أن يجعلنا ممن يزرعون الخير في الدنيا ويحصدونه في الآخرة ، وأن يجعلنا من أهل الرشاد والهداية ، ويلهمنا الصواب في الحكمة ويجعلنا من أهل الرحمة لننال خير الدنيا والآخرة ، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على إمام الأمة وقائدها محمد وعلى آله المعصومين الطاهرين وصحبه الصالحين المبرورين.

الصفحة 1 من 12
 

آخر المقالات

أخبار كرزكانكم